الرئيسية |مقالات | لا أسمح لك

لا أسمح لك

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لا أسمح لك

المجتمع العربي الذي يصف نفسه بالسماحة والوسطية والاعتدال وقبول الآخر يمارس الرفض والاستنكار والنقد والتهكم والسخرية والازدراء  والكثير من الزيف والمجاملة والتصنع  والتظاهر بقبول ما لا يُقبل، الأمر الذي يجعل من الصعب فهم واستيعاب وتصنيف ما يدور من تفاعلات وما يقوله الناس في اللقاءات والحوارات التي  تجري في الفضاء العام والخاص على حد سواء.
حتى داخل المجتمعات المحلية المتشابهة في الفكر والعادات والتقاليد والقيم ونمط الحياة يوجد شيء من الرفض والاستنكار والهيمنة والميل لإلغاء الآخر بوسائل واليات متنوعة. محاولة متعددة يقوم بها البعض بأساليب ممنهجة وغير ممنهجة لاخضاع وتطويع كل من يحاول الخروج على رغبة وإرادة القوى المسيرة لشؤون المجتمعات والمؤثرة في مسيرتها.
في الشارع  والحي والمكتب وفي المؤتمرات والنقاشات والندوات التلفزيونية وحتى في العلاقات  بين الدول  تستخدم عبارة "ما بسمح" او "لن نسمح" بكل ما تحمله العبارة من مشاعر الرفض والاستنكار والتنديد.  في حالات اخرى قد نسمع العبارة من اشخاص لا نعرفهم ولا يدور بيننا وبينهم حوار. في بعض الاماكن العامة واحيانا عبر وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي  قد تسمع البعض يتلفظ بهذه العبارة او يستخدمها في منشوراته محذرا او مهددا  كأن يقول "نحن لن نسمح" او " لن نقبل" وغيرها من العبارات التي  يرسم من خلالها القائل حدود المسموح والممنوع.
الذين يعلنون انهم لن يسمحوا لاحد بان يقوم بكذا وكذا اكثر بكثير من الذين يسمحون. في معظم النقاشات التي تتم والاحاديث التي تدور هناك احتمال بأن يتوقف احد الاطراف عن الحديث فجأة ويبدأ التلويح بسبابته قائلا للطرف الآخر "ما بسمح لك".
 مع ان المدلول الظاهر للعبارة لا يتجاوز حدود الحق الشخصي للقائل في التعبير عن موقفه بقبول او رفض ما يقوله الطرف الآخر، إلا ان  طريقة  اللفظ والحدة في المزاج  والنبرة الآمرة التي تقال فيها العبارة  تجعل منها إحدى اهم العبارات التي  تكشف عن التحول في الحوار من حالة التقبل الى حالة الصدام  عندما يطغى الانفعال على المنطق وتتغير كيمياء الدم ويصبح المحاور غير قادر على الاستمرار في تقبل ما يقوله الآخر. وفي بعض الحالات قد يتطور الامر الى شجار بين الاطراف المتحاورة.
الحديث عن السماح من قبل  شخص لآخر في أن يقول او لا يقول مؤشر على القيود على حرية التعبير؛ فبالإضافة الى ما تحرم الاخلاق والقيم والتقاليد والقوانين  تناوله يضيف الافراد قائمة اخرى لما يسمحون لغيرهم بالتطرق له في الحوارات او التقاشات او الحديث.
الخوف من ردود الافعال الغاضبة او المستنكرة يدفع  بالكثير من الاشخاص الى التردد في الحديث عن آرائهم ومواقفهم الحقيقية حيال  القضايا العامة  في حين يبالغ البعض في  الثناء على من يصادفهم علنا في محاولة لنيل القبول.
تقبل الاختلاف واحترام التنوع وحرية التعبير لا تتحقق بالأماني والشعارات والاوصاف بل من خلال التدريب والتعلم  والنماذج المستندة الى قيم المساواة والكرامة والمواطنة وسيادة القانون. إصرار البعض على  فرض شروطه وقيمه وافكاره لتحديد ما يمكن ان يقال أو لا يقال يعكس غياب الأطر والقواعد الضرورية للحوار. 

د. صبري الربيحات




شارك على: