الرئيسية |مقالات | اليقينيات القاتلة

اليقينيات القاتلة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
اليقينيات القاتلة

كنا في الصف العاشر (الأول الثانوي في حينه) وكانت الحصة الأخيرة عن التيارات الفكرية في العالم وبينها الشيوعية. وبدأ الأستاذ بالشيوعية قائلا إن المبدأ الأول فيها هو .. وأمسك الطبشورة وقال وهو يكتب الكلمة على طول اللوح الممتد من الحيط الى الحيط " الإلحاااااااد " ثم طفق يتحدث عن بشاعة هذا الفكر الذي لا يعرف المحرمات، فلم ينته الدرس الا وأنا معبأ كليا بالحقد والغضب على هذا الفكر الشيطاني، ثم ونحن نخرج كان زميلي يهمهم بعدم الرضى أبدا عن الأستاذ ويقول ما هذا الهذر انظر الى الاتحاد السوفييتي أيّ دولة عظيمة، وشرع يعدد المنجزات العلمية والعسكرية والاقتصادية  والاجتماعية فشعرت في داخلي بالخزي وأنا الذي اعتبر نفسي أكثر الطلبة ثقافة واطلاعا كيف انجررت بسذاجة منبهرا  بكلام الأستاذ بعكس زميلي الذي كان لديه فوق ذلك علم ورأي يدحض رأي المعلم.
كان ذلك أعظم درس في هذه المرحلة من العمر.. لا مسلمات مسبقة، كل شيء يخضع للنقد والتمحيص. وتلك الواقعة فتحت فضولي على قراءة الفكر الاشتراكي، ومع أنني اصبحت ماركسيا حتى النخاع فإن الدرس الأول بقي حاضرا وسلّحني بالقدرة على المراجعة والنقد، ولم أقبل التسليم يوما بالأنظمة الاشتراكية القائمة، فلم يكن مقنعا لي باسم الاشتراكية بناء نظام دكتاتوري يصادر حرية الرأي والتعبير والتنظيم، وعندما سقط الاتحاد السوفيتي والدول الشرقية لم يكن الأمر مفاجئا ولا غريبا ولم يشكل لي أزمة بل حفزني للمضي أعمق في مراجعة الأسس الفكرية التي أوصلت إلى الدكتاتورية والصنمية الفكرية التي تحتاجها أنظمة لصناعة اليقين المطلق واخضاع العقول و" تكفير" كل المخالفين.
على الجبهة المقابلة لا يختلف كثيرا استخدام الدين كأيدلوجيا سياسية لإقامة أنظمة دكتاتورية تخضع الشعب وتكفّر كل مخالف أو مختلف، بل إن الأمر على هذه الجبهة أيسر وأفعل، وأخطر ما يمكن عمله هو الاستغلال السياسي للدين بمعنى تحويل الدين الى مشروع سياسي للوصول الى السلطة والحكم، لأن الدين نفسه يقوم على الإيمان المطلق وصناعة وجدان الإنسان منذ الطفولة.
في تاريخ القوى والمجموعات التي اعتمدت العنف أو الإرهاب في مختلف الحقبات والبلدان لم يحدث أن توفر هذا العدد من الانتحاريين الجاهزين مثلما توفر للقاعدة وداعش والتنظيمات الشبيهة. ومن المؤكد أن انتحاريا واحدا لن يذهب الى الموت مفجرا نفسه في أي مكان بما في ذلك تجمعات مدنيين آمنين لولا يقينه المطلق بسلامة ما يفعله وأن قتل هؤلاء الناس ليس حراما، واليقين الديني المطلق أن رضى الله والجنّة في انتظاره، وأنه في اللحظة التالية لموته سيكون في حياة النعيم ينظر من علٍ لحياة الجحيم.
ولذلك من المفهوم أن مكافحة الإرهاب والتطرف ليست مسألة أمنية وعسكرية فقط بل فكرية وثقافية تذهب إلى الجذور التي يتغذى عليها هذا التيار الذي ألمّ مثل الوباء بالعالم العربي والإسلامي، ومن المفهوم أن نعود الى نوع التربية الدينية والتربية المدنية ونوعية التعليم والمناهج.
حجر الزاوية في الموضوع كله هو مغادرة التلقين باليقينيات وإعلاء شأن التفكير النقدي والعقلاني. إن التربية التي تعتمد التلقين بالحقائق المسبقة تسلب الإنسان قدراته على النقد والتحليل؛ فماذا تكون النتيجة؟ أن العقل سيصبح ضحية ما بُني عليه، أي العمل باليقينيات المطلقة التي تأتيه وفقا للبيئة والظروف التي يوضع تحتها، وأكثر اليقينيات قربا وحسما هي قراءة التنظيمات الإرهابية للدين. وهكذا يجد التطرف حقلا واسعا يحصد منه الأتباع والمريدين. 
ليس صدفة أن تأتي الورقة النقاشية السابعة لجلالة الملك لهذا الموضوع الأساسي والاستراتيجي، إذ يجب إنهاء التردد ووضع مشروع كامل ابتداء من لبنة الأساس؛ التربية والتعليم.

جميل النمري




شارك على: