كتّاب

نهج “التخطيط بالعجرفة”.. متى يتوقف؟

السطور التالية عن جلسة حوارية تلفزيونية يمكن وصفها بالاستثنائية، شكلاً ومضموناً، جاءت ضمن حلقة الخميس الفائت من برنامج “صوت المملكة”، وقد استضافت شخصيتين من قضاء الجفر هما: فواز النواصرة وحسان الدماني، وكان موضوعها القضايا التنموية في الجفر.
من حيث الشكل، حضر الضيفان بأناقة بدوية مهيبة، وتحاورا فيما بينهما ومع مقدم الحلقة، بالتزام كامل بآداب وتقاليد الحوار، فلا خروج عن الموضوع، ولا استخفاف ولا خفة، وظهرا بمستوى عالٍ من التهذيب وخاصة عندما يتعلق الأمر بالاستماع والتركيز، فعند البدو أن “الكلام اِمْناقَلَة” فلا يجوز أن يستأثر به أحد، وقبل كل ذلك كان الرجلان منفعلين بجدية بما يتحدثان به، بالدرجة التي يتطلبها الموضوع. مع ملاحظة أنهما أظهرا قدراً من المجاملة وضبطاً للغة والمفردات، عند ذكر كبار المسؤولين أو نواب المنطقة، فللبدو الأردنيين طريقتهم الخاصة في مراعاة المراكز والأدوار.
أما من حيث المضمون، فقد أوضح الضيفان أن العمل التنموي ومجمل التدخلات الحكومية في المنطقة فشلت فشلا ذريعاً رغم الإنفاق المالي الكبير نسبياً، وقد أوردا بعض التفاصيل المؤلمة. ولن أضيف كثيرا إلى ما كتبه الدكتور باسم الطويسي في مقالته أول من أمس، عندما وصف -محقاً- الحلقة بأنها “وثيقة إدانة لجيل من الحكومات”.
يمكن لمن يريد العودة إلى تسجيل الحلقة المحفوظ على الانترنت، سأكتفي هنا بملاحظات يتلوها اقتراح:
من الواضح أن الجفر يشكل نموذجاً لحالة البعد بين المُخطط وصاحب القرار وبين الميدان وأهله. فقد جرت العادة في  أحسن الأحوال أن تُعقد في المناطق جلسات نقاش أقرب إلى “التمثيلية” تدعى إليها شخصيات تؤدي أدوارا معدة مسبقاً، وتسمى تلك الجلسات تواصلا مع المجتمع المحلي (يتخللها بعض الإهانات أحياناً). والغريب أن الجهات الرسمية تكرر وبلا ملل أن الفشل مسؤولية المجتمع المحلي نفسه!
لم تجرب الجهات الرسمية، (وبالدرجة الأولى وزارة التخطيط، التي تحتكر جوهر القرار وخاصة قرار التمويل)، أن تتواضع قليلاً ولو في موقع واحد، وتقترب من الناس المعنيين وباحترام، باعتبارهم أصحاب العلاقة، بمعنى ان تذهب إليهم وفي نيتها الاستماع الحقيقي والتعرف على تجربة الناس الواقعية في البقاء والمواجهة الذاتية قبل الزيارة الحكومية الكريمة! ثم تبني على تلك التجربة وتلتقي معها في منتصف الطريق، بدل أن تذهب متوهمة بأنها تعرف أكثر من الناس المستهدفين، بل وتطالبهم بأن يغيروا قناعتهم.
(الغريب أن الوزارة لم تتوقف للحظة واحدة لتسأل عن عشرات المشاريع التي لم تعمل إطلاقاً بسبب غربتها عن المنطقة وأهلها. تصوروا مثلاً أن وزارة التخطيط أنفقت 458 ألف دينار على مزرعة أبقار في أقصى مناطق البادية لتكتشف أن الأبقار لا تناسب المنطقة وليس لأهلها خبرة فيها! بينما كان يمكن سؤال أي مواطن ليبلغها بذلك. تصوروا أن تقام حفائر لتجميع المياه في مواقع لا تجري فيها المياه أصلاً، بينما يقول محدثي أن رعاة الأغنام لو سكبوا دلو ماء لعرفوا أين يتجه! ماذا يضير خبراء الوزارة لو سألوا أحداً قبل بدء العمل؟)
أحد ضيوف الحلقة تحدث عن دورات التدريب على مهن aكالنجارة والحدادة والطوبار والدهان، ولكن أحدا من المخططين والخبراء من العاصمة، لم يكن يتحلى بما يكفي من ذكاء يسمح له بالانتباه إلى أن المنطقة لا تتوفر على مجالات عمل لهذه المهن.
الرجلان أظهرا استعدادا لتقديم بدائل على أن تكون مبنية على تجربة الأهالي وخبرتهم وأظهرا استعدادا لتحمل المسؤولية.
تعالوا نفكر بالاقتراح التالي: أن يُتابع الرجلان فيما قالاه وعرضاه، ويُستمع لما لم يتمكنا من قوله بسبب الوقت وبسبب متطلبات البث، وقد يجري ذلك بحضور آخرين من أبناء الجفر “الممارسين” أي المقيمين هناك، وليتحملوا المسؤولية عما يطرحوه، ويبحث معهم الطريق الواصل بين الكلام والتنفيذ، وفي هذه الأثناء يكون الضيفان تحت طائلة السؤال مرة أخرى، وعلى الشاشة ذاتها إذا لزم الأمر.. المهم أن يتقدم نهج التخطيط خطوة في الاتجاه الصحيح، وأن نبدأ بوضع الحد لمنهج “التخطيط بالعجرفة” المتبع منذ عقدين.

احمد ابو خليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *