كتّاب

دعونا نعترف!

علّق رئيس مجلس النواب، عاطف الطراونة، على مشادّات حصلت بين نائب رئيس الوزراء، جمال الصرايرة، وبعض النواب، بالقول: أقسم بالله أنّنا ذبحنا المجلس ونحرناه من الوريد إلى الوريد!
ربما ارتبط تعليق الطراونة بحادثة محدّدة، لكنّني أظن أنّه قصد المشهد العام لمجلس النواب، الذي لا يبدو أنّه غيّر من صورته لدى الرأي العام، بل هي في تدهور مستمر ومتواصل، بالرغم من أنّه جاء وفقاً لقانون انتخاب جديد، بعدما أُنهي الصوت الواحد، وعدنا إلى المحافظة بوصفها دائرة انتخابية (بدلاً من الدوائر الوهمية)، وأُدخل نظام النسبية لضمان تمثيل أفضل وعدم هدر للأصوات، لكن بالنتيجة لم تتغيّر صورة المجلس، على الأقلّ، لدى المواطنين.
هل المشكلة ما تزال في قانون الانتخاب؟! ونحن نرى مداولات ونقاشات في أوساط النواب والسياسيين حول المشروع المقترح لتعديل القانون، مع أنّه لا يوجد أي مؤشرات على الأقل في المرحلة الراهنة لأيّ نيّة لتعديل القانون، أو في الحدّ الأدنى الاستعجال في تعديله، بما أنّه لا يوجد نقاش أصلاً عن حلّ المجلس أو انتخابات مبكّرة!
هل المشكلة في المجتمع، فالنواب هم في نهاية اليوم مرآة لاختيارات الناس والحالة العامة في البلاد، فلماذا يقف الناس في الشارع يلومون المجلس وفي استطلاعات الرأي يعلنون عدم ثقتهم به، ثم هم من يعيدون انتخاب الوجوه نفسها؟!
أم المشكلة في الأحزاب السياسية التي من الواضح أنّها تعاني حالة من الشلل وعدم القدرة على التجديد والإبداع والتطوّر، بالرغم من أنّ الأحزاب نفسها تلقي بالمسؤولية على الحكومة والسياسات الرسمية التي لا تشجّع الناس على العمل الحزبي، لكن في العموم لدينا مشكلة في قدرة الأحزاب على تحقيق الشعبية وتقديم برامج واقعية ومخاطبة شرائح اجتماعية واسعة.
ربما يكون الجواب هو جميع ما سبق، لكن ما هو أهمّ من هذا وذاك، والعامل الحاسم فعلاً يكمن في المناخ العام في البلاد، هل هو مناخ إصلاح سياسي ودفع بالمسار الديمقراطي وحريات عامة وتشجيع على العمل السياسي والحزبي وتقوية أواصر الحياة السياسية في البلاد وإعادة الزخم لها، أم على النقيض تماماً من ذلك، فهو مناخ متحفّظ، محافظ، تتغلب فيه الهواجس الأمنية على الإصلاحية، ويدار بعقلية تريد أقلّ قدر من المعارضة السياسية، وحتى البرلمانية للسياسات الداخلية والخارجية والاقتصادية؟!
هذا هو السؤال الجوهري، لأنّ المواطنين والبرلمان والأحزاب تتأثر وتتفاعل مع هذه البيئة السياسية العامة، التي إمّا تحفّز الانفراج والانفتاح السياسي (كما حدث في الـ89)، فتحرّك المياه الراكدة في المجتمع، ويتحسّن المزاج السياسي العام، وإمّا بيئة مناقضة لذلك تماماً، وهو ما لن ينفع معه شيء، حتى لو غيّرنا قانون الانتخاب، وفصّلنا القوانين على مقاس ديمقراطي رصين، فالعبرة في المضمون وليس في النصوص والأشكال!
لا داعي لسرد عشرات المؤشرات والدلالات على أنّه بالرغم من كل ما تم من تشريعات، على أنّ المناخ العام لا يساعد عملاً برلمانياً أو حزبياً أو حتى سياسياً، فإذا كانت الحكومة نفسها تعمل بمنطق “تكنوقراطي”، بلا أي مضمون سياسي عميق، فما هي حال الفاعلين السياسيين الآخرين؟!

د. محمد ابو رمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *