كتّاب

أهل الحل والعقد

عندما يتحادث ترامب وتريزا مايا وماكرون، فقد يكون الحديث مراجعة لمستوى الأخطار العالمية أو بحثا للإجراءات المناسبة لمقاطعة روسيا، وقد تتناول البحث في تفاصيل الضرية التي ستوجه لسورية، وربما يخصص جزء من الوقت لبحث تكثيف وتنسيق الإجراءات بخصوص الحفاظ على النفوذ الغربي على الساحة الدولية وعرقلة محاولات الصين والهند وكوريا والمكسيك تحقيق اختراقات اقتصادية تقوض النفوذ الذي تتمتع به القوى الاقتصادية الغربية.
في أقاليم أخرى، قد تأخذ اللقاءات والاجتماعات منحى آخر، فقد يستخدمها البعض لاستعراض النفوذ، وقد يعمل البعض على إظهار التحالفات الجانبية والمناكفات وإرسال الرسائل المباشرة وغير المباشرة والاسترسال في التضليل والتمويه والمناورة بدون الوصول الى هدف واضح.
عقدت القمة العربية في السعودية، للحديث في بعض القضايا التي تهم أطراف القمة بدرجات متفاوتة. الآمال والتوقعات التي حملها المتابعون للقمة كانت في الحدود الدنيا. فالمواقف من القضايا المطروحة متباينة والهموم والأولويات العربية متنوعة. والقناعة بقدرة النظام العربي على إيجاد الحلول للمشكلات القائمة والمحتملة ضعيفة جدا. القلق الذي يساور البعض يأتي من إمكانية أن تتفجر بعض الخلافات الساكنة لتضاعف حجم الفرقة والاختلاف.
في بلادنا لم يعد بمقدور السلطات أن توجد حلولا لمشكلاتنا المستعصية، فالأمة تستقبل أنباء انعقاد القمم بكثير من الخدر واللامبالاة والقنوط، فلم يعد في الأفق ما يشير الى انفراج في عالم مزقه الجهل والخوف والقتل والتهجير وحروب الثأر والتجويع.
في كتب التراث والروايات التاريخية أوصاف كثيرة نطلقها على الرجال والنساء الذين يملكون القدرة على إيجاد الحلول للمشكلات التي تواجه مجتمعاتهم. من بين أكثر الأوصاف التي تختزل ما يقوم به هؤلاء الأفراد صفة “أهل الحل والعقد”؛
فالحل والعقد فعلان متعاقبان متضادان يشير استخدامهما معا أن من يملك القدرة على القيام بهما قادر على الضبط والتحكم في الظواهر والأحداث. وتعود جذور استخدام هذا التعبير لمرحلة الاستئناس والرعي التي مرت بها البشرية بعد أن قضت ردحا من الزمن في الجمع والالتقاط؛ حيث يمضي الإنسان كامل يومه في البحث عن الطعام من مصادر نباتية بما في ذلك الأوراق والجذور والثمار من دون أن يتوفر له الأمن والاستقرار اللذان يتطلبان وفرة الغذاء وانحسار الخوف والقلق والتوتر.
في مرحلة الرعي، تم اختراع الحبال واستخدامها في ربط الحيوانات وبناء الخيام وحزم الأمتعة وتثبيت الحمولات على ظهور الدواب، فقد كان ذلك أحد أهم الاختراعات التي توصل لها الإنسان؛ حيث شكل الاختراع ثورة غيرت نوع وطبيعة العلاقة بين الإنسان والحيوانات والنباتات في النظام البيئي.
بفضل الحبال، أصبح الرجال الأقوياء أكثر قدرة على ضبط حركة الحيوانات والتحكم فيها والإبقاء عليها حيثما يريد. وبمساعدة تكنولوجيا الحبال، استطاع الإنسان استخدام الخيول وغيرها من الدواب في الركوب والنقل وجلب المياه والحراثة والأعمال الزراعية الأخرى. وبهذه الممارسات استحقوا صفة أهل الحل والعقد، واستطاعوا أن يوسعوا نفوذهم ليشمل قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية أخرى. بالرغم من ابتعادنا عن الظروف والسياق والمرحلة، التي ولد فيها التعبير، إلا أننا أبقينا على استخدامه.
في الوقت الذي خرجت فيه البشرية من الرعي والزراعة ودخلت مراحل الصناعة وما بعدها، أصبحت الحبال عديمة الفائدة وغير قادرة على إدامة حالة التحكم. اليوم أصبح الجميع يدورون في فلك القوى القادرة على هندسة البيئة والمجتمع والعقول والسياسة وخلق الفوضى والنظام في مجتمعات يجري تفريغها من القيم والفلسفة والأخلاق وتجريدها من الهوية. في العالم الجديد هناك مشكلة جديدة كلما اعتقدت أنك على أبواب الوصول الى حل.

د. صبري الربيحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *