كتّاب

منسف بالشوكة والسكين !!

يبلغ عدد سكان الصين 1373 مليون نسمة، يشكل الأرز وجبة طعامهم الأولى، والأخيرة في كثير من القرى وكثير من المواسم. وكذلك الحال بالنسبة لسكان اندونيسيا البالغ عددهم نحو 275 مليونا.
كانت العاملات في المنزل في جاكرتا يطبخن عدة وجبات أرز لعدة ايام سلقا بالماء ثم يتناولنه باردا، خمس وجبات في اليوم.
وقد لاحظت وانا سفير هناك (2012-2005) ان الاندونيسيين شغوفون بالأرز المطبوخ على طريقتنا وخاصة «المقلوبة» والكبسة والمنسف.
وقد اعتاد على المقلوبة صديقي، الدكتور دينو باتي جلال مستشار رئيس الجمهورية الإعلامي، ولاحقا سفير اندونيسيا لدى الولايات المتحدة الامريكية ثم امين عام الخارجية وزوجته طبيبة الاسنان روزا.
لما تناولا المقلوبة في منزلي اندهشا من مذاقها الطيب وأصبح «دينو» يهاتفني بين الحين والآخر قائلا:
?where is my   mklooba brother mohammad
اي اين مقلوبتي اخي محمد؟
فكنت ارسلها اليه فيدعو عليها أقاربه وخاصة اقارب زوجته روزا.
هذا الأرز القابل للانتفاخ والتكاثر، كما كنا نظن ونحن صبية، تتعامل معه الشعوب، التي تكد وتجد في زراعته وحصاده، بكل حرص واحترام. بلا تبذير و لا اسراف و لا هدر.
فلو ان كل مواطن صيني ترك حبة أرز واحدة في صحنه، في كل وجبة من وجبات الارز اليومية الثلاث، لتم رمي12357 مليار حبة أرز أو أكثر في الزبالة يوميا !!
ورغم اننا لا نزرعه ولا نقلعه، فقد دخل الأرز على مائدتنا الشرقية في اواخر الأربعينات واستحكم فأصبح طبقا يوميا نتناوله في معظم وجباتنا.
ولما عملت سفيرا في المملكة المغربية (من آب 1998 الى تشرين الاول 2003) لاحظت ان مادة الأرز ليست طبقا مدرجا على (منيو) المغاربة الذين يعتبر مطبخهم المتنوع الفاخر، المطبخ الأول بلا منافس او منازع على مستوى العالم.
ويجدر ان اشير الى اننا أكثر  شعوب العالم تناولا والتهاما للحوم. فنحن نشتري اللحوم من رومانيا وبلغاريا واستراليا وهولندا واميركا وكندا والهند والدنمارك والبرازيل وفنزويلا ونيوزيلاندا واورغواي واذربيجان وسوريا والسودان ودول اخرى بالاضافة الى إنتاجنا من اللحوم البلدية.
صحيح أن مطبخنا الشرقي العربي متنوع وشهي ويدخل الأرز في صميم تلافيفه، إلا أنه مطبخ اسراف وهدر وخاصة المطبخ الأردني حيث يتم إتلاف ملايين حبات الأرز من معظم بيوتنا كل عام.
وبأمانة فقد حاولت أن اتناول المنسف بالصحن والمعلقة الا انه لم يكن لذيذا ولا ممتعا و لا منسفا !
ولذلك يجب في هذه الظروف المادية الوطنية العسرة القاسية، أن نجد حلولا تضمن أن يظل المنسف  منسفا وليس (شاكرية بلبن) ولا طبقا آخر نتناوله بالشوكة والسكين. وان نجد حلولا تكفل أن نتخفف من الهدر والافراط المتمثل في قذف ملايين حبات الأرز إلى القمامة.

محمد داودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *