كتّاب

كم سنلبث؟

من أكثر الاستفسارات التي يطرحها الأردنيون في هذه الفترة، كم تبقى هذه الأزمة؟ ومتى سنخرج منها؟ وهل من سبيل إلى انفراجة تخفف من ضغط المرحلة بعد كل هذه السنوات العجاف؟
السؤال مشروع، ومن حقّ كل الناس أن تطرحه علها تبني الأمل بالمستقبل القريب بعد كل هذه السنوات الموجعة، والتي تضمنت برنامجين مع صندوق النقد الدولي يدرك المسؤولون قبل غيرهم كم أوقعت ضررا وحملا ثقيلا على حياة الناس.
الإجابة بصراحة مرتبطة بعمق بما تفعله الحكومة من سياسات وقرارات، ومحاولة فهم الفلسفة التي تعمل وفقها، فبعد السؤال يلزم التوقف عند ما تفكر به الحكومة من خطوات خلال المرحلة المقبلة، والتفكير بتأثيرها على حياة الناس سلبا أو إيجابا.
أكثر ما يشغل بال الحكومة اليوم يتمثل بإقرار قانون جديد للضريبة، يرتكز على زيادة الضريبة على الأفراد أي الفئات أصحاب المداخيل الثابتة التي أرهقتها الحكومات على مدى السنوات الماضية بعديد قرارات صعبة، وما يزال الحبل على الجرار.
هنا تحتاج الحكومة أن تتوقف كثيرا قبل أن تقدم على هذه الخطوة، لأن قانون الضريبة لا يقل حساسية عن موضوع رفع الدعم عن الخبز إن لم يكن أكثر خطورة.
بالتفصيل، على الحكومة أن تقدر حجم المبالغ المالية التي ستجنيها الخزينة من وضع قانون جديد يستجيب لمطالب صندوق النقد الدولي، وستكتشف أن الضرر الواقع من الخطوة أبلغ بكثير مما سيتحقق، كونه سيزيد العبء على هذه الفئات التي لم يعد بإمكانها أن تتحمل المزيد.
الأبعاد والآثار المعنوية أكثر عمقا من ذلك، وتحديدا في هذه الفترة، فمثل هذا القرار يعمق الشعور بالاغتراب، ويضعف الانتماء، خصوصا إذا سقطت هذه الفئات في أوجاع الفقر والجوع، والشعور بالتهميش والإقصاء.
بالنتيجة، قرار قانون الضريبة بين أخذه من عدمه لم يعد قرارا اقتصاديا ماليا، بل هو قرار سياسي، يكشف كم الدولة متفهمة لأحوال الناس ومقدرة لظروفهم، أو أنها منفصلة عن واقع الناس وحالتهم الاقتصادية.
التفكير في زيادة الضريبة على الأفراد يأتي في ظل علاقة متوترة مع صندوق النقد الدولي الذي يتعامل مع الأردن والقرارات الحكومية بطريقة لم نألفها من قبل، فالمؤسسة الدولية صارت فجأة حريصة على الفقراء ومحدودي الدخل، ورغم عِظم ما قامت به الحكومة إلا أنه لم يشفع لها عند إدارة الصندوق الذي لم يصادق بعد على المراجعة الثانية للبرنامج الموقع معه.
عودة إلى سؤال الأردنيين إلى متى؟ بصراحة الإجابة ليست سهلة في ظل جنون الإقليم وتطوراته المتسارعة، وهو كذلك مرتبط بشكل عضوي بالإجراءات الحكومية، بحيث يكون لدينا سياسة اقتصادية تطبق بالتوازي مع السياستين المالية والنقدية.
ربما نحتاج إلى مراجعة ما تم في بعض القرارات، كونها فاقت قدرات الناس، لذا يبدو من المجدي إعادة النظر في قائمة الـ160 سلعة رأفة بالناس وتقديرا لظروفهم، كما نحتاج، ربما، إلى تأجيل زيادة الضريبة على الأفراد، أقله حتى تفلح الحكومة في تحقيق نمو اقتصادي وتنمية حقيقية تنعكس على حياتهم.
ومن المفيد جدا أن نبدأ التفكير بمنظور واسع يقوم على مراجعة النظام الضريبي كاملا بعيدا عن الاجتزاء، بحيث يكون نظاما عادلا يطبق فلسفة الضريبة التي تقوم بالأساس على توزيع مكتسبات التنمية.
ما تقوم به الحكومة اليوم، بصراحة، لا يكفي لرسم الأمل ولا لإشعال شمعة في آخر النفق، وحتى نصل لذلك نحتاج إلى خطط تحفيز حقيقية لا تشبه تلك الموجودة اليوم بين يدي الحكومة، وعليها أن تتطلع إلى بند النفقات، أيضا، فهو لا يقل أهمية عن بند الإيرادات.
عودة إلى سؤال المقال كم سنلبث؟ تبدو الإجابة مؤجلة أو غير معروفة، طالما التفكير الحكومي قائما على العمل بالقطعة بدون فلسفة واضحة.

جمانة غنيمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *