كتّاب

رحلة العودة: بين الحنين والشكر

فراس الحديدي- عندما تتلامس أقدامنا مع الأرض السعودية للمرة الأخيرة، ونودع مكة المكرمة ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، تفيض قلوبنا بشعورٍ مزيج من الفرح والحنين. لقد كانت رحلة الحج هذه محفوفة بالبركة والنعم، وسنعود إلى الأردن محملين بالذكريات التي ستظل حاضرة في قلوبنا إلى الأبد.نتحرك عبر الطرقات التي سلكها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، نستذكر مواقفهم ومشاهدهم التي ارتبطت بهذه البقاع الطاهرة. لقد سار النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الأجلاء على هذه الطرق، متحملين المشاق والتحديات، ليؤسسوا لدينٍ قويم وأمة عظيمة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ” (متفق عليه)، فنستذكر هذه القرون الأولى التي جابت هذه الأرض المباركة.من نافذة الحافلة، نرى الصحراء تمتد بلا نهاية، رمالها الذهبية تتلألأ تحت أشعة الشمس الحارقة. تسبح الجمال بخطى وئيدة، وكأنها تحكي قصص القوافل القديمة التي عبرت هذه الفيافي، تروي حكايات السلف الذين تحملوا مشقة السفر في هذه الظروف القاسية دون تكنولوجيا حديثة أو وسائل راحة. كانت رحلتهم مليئة بالتحديات، حيث كانوا يتنقلون على ظهور الجمال أو سيراً على الأقدام، متحملين الحر الشديد والعطش والجوع.على الجانب الآخر، نحن نجلس في حافلة مكيفة، تهب علينا نسائم الهواء البارد، ونشعر بالراحة والأمان. نتبادل الأحاديث والابتسامات، ونسترجع لحظاتنا الروحية في الحرم الشريف. الفرق شاسع بين رحلتنا ورحلات أسلافنا، ونشعر بالعرفان لله على هذه النعم العظيمة التي نتمتع بها.رافقتنا في هذه الرحلة المباركة بعثات مميزة من القضاة والمفتين والصحفيين، كل منهم يمثل نبراساً من نور ومعرفة. تبادلنا معهم الحديث وتشاركنا التجارب، مما أضاف إلى رحلتنا بُعداً معرفياً وروحياً لا يُقدر بثمن. كانت الأحاديث تتناول قصص الأنبياء والصحابة، وتجارب الحج على مر العصور، مما أغنى تجربتنا وزادها عمقاً.في طريقنا نحو الأردن، كانت ليالي الصحراء الساحرة تروي لنا حكايات التاريخ الإسلامي العريق. نتأمل السماء التي شهدت دعوات الصحابة واستغفارهم، ونتخيل القوافل التي عبرت هذه الطرق قبل مئات السنين. عندما نرفع أعيننا إلى السماء الصافية المليئة بالنجوم، نستشعر عظمة الخالق ونتذكر تلك اللحظات التي وقف فيها الصحابة تحت نفس السماء، متوجهين بقلوبهم إلى الله.ونحن نقترب من الحدود الأردنية، تتراءى لنا تضاريس وطننا الحبيب. نستشعر الفخر بما أنجزناه والعرفان لله على توفيقه وكرمه. نشكر الله على هذه النعمة العظيمة، وندعو بأن يتقبل منا حجنا ويرزقنا زيارة بيته الحرام مجدداً.لقد كانت رحلة العودة برية، لكنها كانت مغامرة روحية بامتياز، تجدد فيها الأواصر مع الله ومع تاريخنا الإسلامي العريق، مما يجعلنا ندرك أن العودة ليست نهاية الرحلة، بل بداية لمرحلة جديدة من الإيمان والارتباط بالماضي والحاضر. نحن الآن نحمل في قلوبنا تلك الذكريات العزيزة، ونعود إلى أهلنا وأحبائنا في الأردن، ممتلئين بالشكر لله على هذه التجربة التي لا تُنسى.