كتّاب

إذا وقعت الواقعة..

“لو” لم تعد كذلك! أصبحت مؤكّدة. فنحن الآن بالفعل أمام السيناريو العسكري بوصفه الرئيس الذي بدأ فعلياً على أرض الواقع، في درعا، وعبرت اتفاقية “خفض التصعيد” حالة الموت السريري إلى الوفاة النهائية.
الموقفان الأميركي والإسرائيلي تجاوزا الحالة القائمة، ووصلا إلى الحديث بوضوح عن “اليوم التالي.. لمرحلة ما بعد درعا”، وربما لم يجانب تحليل نشرته أمس جريدة الأخبار اللبنانية (المقربة من طهران) الصواب عندما أشار إلى احتمال وجود تفاهمات “تحت الطاولة” واضحة بين الروس والأميركان والإسرائيليين على ما حدث، مع شرط وحيد سخيف وهو عدم اقتراب القوات الإيرانية والميليشيات المسلّحة من الحدود الإسرائيلية، وهو ما يمكن تطبيقه بسهولة أو التحايل الشكلي عليه، وسيعمل الروس على ضمانته للإسرائيليين.
إذا قفزنا إلى نتائج السيناريو العسكري، بعد أن أعلنت بوضوح فصائل الجيش الحرّ التأهب العام، ورفض الاستسلام، وبدأت الغارات الروسية العنيفة، التي كانت قد توقفت منذ فترة طويلة، فإنّ الكلمة التي يمكن أن تلخّص ذلك -وفقاً للمسؤولين الأردنيين- هي “الكارثة” على الصعيد الإنساني بدرجة رئيسة!
ما هي الانعكاسات المتوقعة استراتيجياً وعسكرياً على الأمن الوطني؟
الموقف الأميركي كان محبطاً مخيّباً، متناقضاً تماماً مع ادّعاءات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول مواجهة النفوذ الإيراني، وغير مطمئن من ناحية أخرى -أيضاً- لما يتعلّق بالوجود العسكري الأميركي في الجنوب الشرقي، وقاعدة التنف، ومخيم الركبان، فهل يمكن أن نصحو غداً ونجد أن الأميركان قاموا بتفكيك القاعدة والمغادرة؟! ما الذي يمنع؟! ما يعني ترك تلك المنطقة الخطيرة أمنياً في البادية (النشاطات الداعشية، النفوذ الإيراني، مخيم الركبان كقنبلة موقوتة) على حدودنا الشمالية!
اتضح تماماً أنّ هنالك معادلتين في جنوب سورية؛ الأولى أردنية مرتبطة بدرعا والحدود الطويلة الممتدة، والثانية إسرائيلية مرتبطة بالمناطق المحاذية ونشاط إيران، وكما ذكرنا يبدو أنّها أصبحت شكلية وغير مهمة، فبقيت إذاً المعادلة الأردنية، بعدما خرج الأميركان والإسرائيليون من اللعبة تماماً؟!
من حيث المبدأ، لا يمانع الأردن عودة الجيش السوري إلى درعا، ويعمل وزير الخارجية بصورة مكثفة على التواصل مع الروس لإيجاد ترتيبات تحقق المصالح السورية والأردنية على السواء، وضمانات للجانب الإنساني لأهل درعا. لكن هنالك عقداً وعقبات كبيرة وعامل الوقت في وجه السيناريو المثالي، وهو “العودة الرقيقة” والسيناريو السلمي- المصالحات.
النتيجة المتوقعة هي عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين على الحدود، وانتقال المواجهات المسلحة إلى المناطق الحدودية، وحالة قلق أمني كبيرة بجوار حدودنا الشمالية، كنّا قد تجنّبناها ديبلوماسياً وجنّبنا درعا الأعوام الماضية هذه الاحتمالات المرعبة.
وزير خارجيتنا، أيمن الصفدي، غرّد أمس معلناً بوضوح أنّنا لن نقبل موجة جديدة من اللاجئين، ويؤكد الأردن أنّ أي مخيمات لاجئين لا بد أن تكون على الأراضي السورية ومسؤولية داخلية هناك، لا علاقة لنا بها، وهو الأمر الذي نجح في تطبيقه على مخيم الركبان بإصرار، لكن حجم الكارثة وتداعياتها وتبعاتها ستضاعف من حجم الضغوط وشراستها على الأردن في التعامل مع الموجات المتوقعة للهاربين من الجحيم، إذا وقعت الواقعة في درعا؟!

د. محمد ابو رمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *