كتّاب

صفقة الخديعة

عند الاستماع للمتحدثين عما يسمى بـ « صفقة القرن « ومتابعة ما يكتب وينشر حول هذا الموضوع يبرز جوهر الصفقة باتمام المخطط الاسرائيلي الصهيوني حول اكتمال الدولة اليهودية، وتصفية القضية الفلسطينية وترتيب امور الاقليم بما ينجح هذا المخطط من منظور دولي واقتناص الفرصة المناسبة في اللحظة المناسبة، والتي تدور حول مجموعة من النقاط الجوهرية التي يتم تغليفها بمظاهر خادعة وتسويق إعلامي مدروس يعتمد على جهل الضحيّة واستغفال الشعوب المنكوبة.
أبرز النقاط التي تريدها «اسرائيل « تتمثل بتوحيد القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني المحتل وفرض ذلك عن طريق الولايات المتحدة وجعله واقعاً قائماً معترفاً به عبر سياسية الترهيب والترغيب، والنقطة الثانية تتعلق بتهويد الجولان ومعظم الضفة الغربية بالطريقة الاستعلائية نفسها التي تم فيها تهويد القدس، عبر استخدام القوة القاهرة ولوخالفت شرائع الأرض والسماء، والنقطة الثالثة تتعلق بالبقاء على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وعدم تفكيكها وفرضها أمراً واقعاً لايقبل الجدل و المساومة، والنقطة الرابعة تتعلق بالاحتفاظ بغور الأردن، وأن تكون الحدود والمعابر تحت السيطرة الإسرائيلية، والنقطة الخامسة تتعلق بالوجود الفلسطيني داخل الضفة الغربية بأن يكون مقطعاً ومبعثراً ولايشكل وحدة اجتماعية واحدة و بلا سيادة ولايخرج عن نطاق حكم مجلس بلدي او محلي، بل ان النية المبيتة لدى الصهاينة المنبعثة من مقولة يهودية الدولة تقتضي التخلص من الوجود الفلسطيني بشكل متدرج عبر التضيق وعدم السماح لهم الشعور بالاستقرار من أجل انجاح عملية التهجير الطوعي والإنسياب خارج فلسطين، وتحويل الشعب الفلسطيني إلى أقلية ضئيلة داخل فلسطين المحتلة.
النقطة الآخرى تتعلق باللاجئين وحق العودة، وهي تشكل ملفاً معقداً متشابكاً مع معظم الدول العربية المجاورة لفلسطين، والحل المطلوب اسرائيلياً لا لعودة اللاجئين ولا لحق العودة، ويجري بشأن ذلك مجموعة من المؤامرات التي يشيب لها الولدان.
هذه النقاط الاسرائيلية كانت عبر المفاوضات السابقة لم تكن محلاً للتفاوض وكانت مؤجلة تحت عنوان ( ملفات الحل النهائي المؤجلة )، ولكنها في الحقيقية كانت من أجل تثبيتها حسب وجهة النظر الاسرائيلية عبر استخدام الزمن، ولذلك يمكن أن نعتبر ما يسمى (صفقة القرن ) هي عبارة عن تسويغ تمرير ملفات الحل النهائي بمسوغات تسويقية، ويبدو أن قادة الكيان الصهيوني وجدوا أن الفرصة سانحة في هذه اللحظة الثمينة التي أصبحت فيها الحالة العربية في غاية الضعف والانحطاط، بعد اضعاف العراق وسلخها من واقعها العربي ، وتم اضعاف مصر وعزلها عن مركز القيادة، وتم تفكيك سوريا واضعافها وتهميش دورها، وتفكيك الحالة العربية برمتها، وتم كسب الخلج لصالح الرؤية «الاسرائيلية»، ومن جانب آخر فان  الإدارة الأمريكية بقيادة ( ترامب ) ربما تكون أكثر إدارة مناسبة قادرة على فرض الرؤية (الاسرائيلية) من خلال شخصية الرئيس المتغطرسة والتي تحمل قدراً كبيراً من الاستخفاف بالعالم كله فضلاً عن العرب.
الصفقة تطرح الحل عبر محورين ؛ – المحور الأول كيان فلسطيني في غزة يتوسع نحو سيناء  يعبر عن رغبة الفلسطينين السياسية بالاستقلال والتحرر وأما المحور الآخر فيتمثل بتذويب التجمعات الفلسطينية في الدول المستضيفة للاجئين، وخاصة الأردن التي تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في هذا الشأن عبر اعطاء اللاجئين الفلسطينين حقوقهم السياسية الكاملة، وايجاد البنية المناسبة التي تستوعب هذا المحور.
يصاحب ذلك بعض الرتوش والخزعبلات الإعلامية وأنشاء مدن صناعية ومناطق استثمارية، ووعود بدعم مالي مستقبلي سخي، والقول بضخ مئات المليارات في المنطقة، كل ذلك بروبوغاندا إعلامية سمجة يتم فيها الضحك على ذقون الشعوب المستغفلة، من أجل تمرير الحل الصهيوني الأمريكي بمساعدة العملاء والمنسلخين من أمتهم ومن الذين لا يعترفون بالقيم ولا الأوطان، وقد بدأت مظاهر اللعبة بالظهور بوضوح.

د. رحيل غرايبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *