كتّاب

الرابع موجود!

وأنا صائم، إذا ما قمت بجولة في الحارة أستطيع أن أعرف كل دار شو طابخين؟! ووصلت دقتي في التوقع عن بعد أن أميز إن كانت طبخة الجيران فاصولياء بيضاء أم خضراء، وفي بعض الأحيان، أقدم النصح لهم بأن الطبخة ناقصها شوية فلفل، وكثيرا ما أتنبأ أن جارتنا اليوم قد تبيت في منزل أهلها لأنها تعاجزت عن صنع الشوربة، بينما في أوقات الإفطار إذا ما حصل تسرب للغاز في المنزل فإننا لا نستطيع أن نشمه!

قبل الإفطار، إذا ما ذهبت لشراء الخبز فقط، فإنني أعود للمنزل كما كان يعود الفاتحون بعد الغزوات محملين بالغنائم، فكل ما وقع نظري على شيء اشتهيته حتى لو كان صابون جلي، لا شعوريا أرى الفجل أثناء الصيام وكأنه أناناس، بينما البصل الأخضر يخيل لي كما لو أنه أصابع زينب، وعادة ما أشتري غريبة مع أنه لا أحد يحبها في رمضان، ومع ذلك أبقى مصرا على وجودها مثل إصرار الحكومات على بقاء نهج الجباية. بعد سماع الأذان أكتشف حماقة ما اشتريت فلا أقوم بأكل أي شيء مما قمت بشرائه!

من أسوأ عاداتي قبل الإفطار أنني أشعر وكأنني بطل الملاكمة كلاي، فإذا ما زمر لي أحدهم حتى أفسح له الطريق قمت بإطفاء السيارة في منتصف الطريق، مع أن من قام بالتزمير لو قل عقله لأفطرت على مغذّ في المستشفى، وإذا ما وقفت في دور الخبز ولاحظت أن الخبز غير ساخن قمت بالصراخ عليهم مع أنهم لو لم يستغفروا لوضعوني بجانب صواني اللحمة في الفرن، حتى صاحب معرش البطيخ أقوم بتوجيه التهديد له بأن البطيخة إذا لم تكن حلوة وحمراء فسأعود له بعد الإفطار طالبا منه أن يودّع أولاده وزوجته وأن يكتب وصيته إذا قام بخداعي، طبعا بعد الإفطار أعود لرشدي وحجمي الطبيعي، وحتى لو كانت البطيخة بيضاء مثل جبال الألب فإنني أراجع نفسي لأقول: المسامح كريم!

الصائم في رمضان يشبه المسؤول قبل تكليفه برئاسة الحكومة، تراه يشم كل روائح الفساد والمحسوبية والترهل في البلد، وتراه يشتهي الإصلاح والقضاء على البطالة والفقر، والأهم أنه يشعر بأنه بطل كمال أجسام ويريد أن يفعص الفاسدين فعصا!

بعد تكليفه، تتعطل حاسة الشم، وتنسد شهيته عن الإصلاح، ولا يستطيع أن يفعص ذبابة وليس فاسدا من فاسدي البلد!

تغيرت المعادلة في البلد، ولم تعد الحكومات تنال الثقة من نواب العبدلي، بل عليها أولا أن تنال الثقة من معتمصي الرابع.

لم يعد ينفع أن نقسم الوزراء على أسس عشائرية ومناطقية، بل يجب تقسيمهم على أسس الكفاءة ونظافة اليد حتى لو تصادف وجودهم كلهم من الحارة نفسها.

لا نريد حكومة بعقلية أردنية، أول ما يتبادر لذهنه نوع السيارة، وطاقم المكتب، وحجم الراتب والمكافأة، نريد حكومة بعقلية ماليزية، أول ما يتبادر لذهنهم منع السفر لمن سرق البلد، وركوب التكاسي تماشيا مع وضع البلد، وتخفيض الرواتب والامتيازات حتى تنصلح أحوال البلد.

على الرئيس الجديد أن يعتذر عن قبول التهاني إلا بعد أن يتشافى الاقتصاد من داء الصندوق، وأن ترزق الجويدة بأول فاسد، وأن يحصل الاستثمار على أعلى المعدلات.

إن قال ديكارت: أنا أفكر إذا أنا موجود، فعلى الرئيس المقبل أن يفهم ويعي ويقول: أنا أرفع إذا الرابع موجود!

صالح عربيات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *