كتّاب

نقابة المهندسين: فوز وخسارة

كان من الطبيعي أن نشهد هذا المستوى من الجدل بعد انتخابات نقابة المهندسين، فالاعتبارات النقابية والسياسية تحضر بقوة في المشهد، لكن من دون الانزلاق إلى هذا الحد.
“المهندسين” من أكبر النقابات المهنية وأكثرها تأثيرا في العمل النقابي، وسيطر لون سياسي واحد عليها لما يزيد على ربع قرن، جعل منها معيارا رئيسيا لقياس قوة هذا التيار وحضوره العام. ولهذا بدت خسارة التيار الإسلامي “حزب جبهة العمل الإسلامي” غير المتوقعة للانتخابات، أقوى دليل على تراجع قدراته على الحشد والتعبئة في مرحلة تشهد تقهقرا واسعا لحركات الإسلام السياسي على نطاق عربي.
لقد حصل الأمر نفسه مع القائمة الخضراء في النقابة التي تمثل اليساريين والقوميين وحلفاءهم، فقد سيطرت على النقابة منذ العام 1976 إلى أن خسرت في العام 1991 أمام القائمة البيضاء الممثل للتيار الإسلامي.
في الحالتين، كان وضعا شاذا رغم الإقرار بشرعية العملية الانتخابية، فالديمقراطية لا تستوي إلا مع تداول السلطة بين تيارات مختلفة، وإلا تحولت لاحتكار يضر بالأغلبية المهيمنة والأقلية المعارضة.
في هذه الجولة، نجح تيار الخضر في تطوير أدواته وخطابه، فأفرز قائمة “نمو” التي تمثل طيفا واسعا من المهندسين التواقين للتغيير وكسر الاحتكار. وبفضل هذه المقاربة الجديدة، تمكنت من التغلب على قدرة الإسلاميين في الحشد، فحققت فوزا صريحا لم يكسره سوى حصول القائمة البيضاء على أربعة مقاعد بالتزكية لغياب منافسين من “نمو”، وهو تيار نقابي في “المهندسين” يصعب تصنيفه حزبيا؛ فهو خليط من الناشطين والحزبيين والمستقلين الديمقراطيين، وأحد إفرازات الحالة الديمقراطية في النقابات المهنية، يشبه إلى حد كبير التيارات الصاعدة في الحياة السياسية الغربية التي نجحت في التفوق على أحزاب سياسية عريقة.
كان ينبغي أن يحدث مثل هذا التغيير، لأن احتكار لون سياسي واحد للنقابة لربع قرن وأزيد، دفعهم إلى التعامل معها وكأنها الحديقة الخلفية للحزب. من مصلحة الإسلاميين أن يختبروا الجلوس على مقاعد المعارضة في النقابات، ليتخلصوا من أوهام احتكار السلطة والهيمنة وإقصاء الآخر.
ومن واجب “نمو” أن تفهم فوزها على أنه بقوة المستقلين والبرنامج، وأن النقابة ليست لها وحدها، فهناك تيار عريض ينبغي أن يكون صوته مسموعا في صناعة القرار وإدارة مصالح المنتسبين.
يتفهم المرء مشاعر الصدمة عند الإسلاميين بعد الخسارة، لكن ليس إلى الحد الذي يدفع ببعض رموزهم للطعن بشرعية الصناديق التي طالما دافعوا عنها في وجه خصومهم، وكيل الاتهامات المخزية لمنافسيهم بحثا عن أعذار للخسارة.
وقع هذا السلوك على المجتمع كان صادما أكثر من صدمة خسارتهم، فقد أحيا في النفوس من جديد ذلك الانطباع السائد عن التيار الإسلامي بوصفه حركة إقصائية، لا تعترف بشرعية الانتخابات إلا عندما تفوز.
وفي المقابل، ظهر بعض أنصار القائمة الفائزة في الانتخابات وكأنهم في مشهد ثأري بعد حرمان طويل ويودون القصاص من الإسلاميين، وبلغة سياسية غير لائقة، كشفت زيف الادعاءات عن احترام الديمقراطية وأصولها.

فهد الخيطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *