كتّاب

انتخابات المهندسين.. فاز “الناخب”

جرت معركة انتخابات المهندسين هذه المرة بين “التحزب” وبين عنوان وطني نقابي واسع، وقد هُزم التحزب الذي كان إسلامياً هذه المرة، بعد ما سبقته في الهزيمة “التحزبات” الأخرى.
أرجو أن تسمحوا لي ببعض التفصيل:
لغاية تسعينيات القرن الماضي، كان العمل السياسي العلني ممنوعاً بصفته معادلاً تماماً للعمل الحزبي، وكانت الأجهزة الأمنية تطلب من الأشخاص المعتقلين عندها أو المطلوبين لها، أن يكتبوا تعهدات بعدم ممارسة العمل السياسي، إلى جانب اعترافهم عن أحزابهم واستنكارهم لها.
حتى تلك الفترة، قامت النقابات بمهمة “سد الفراغ” في العمل السياسي العلني، وبالمناسبة، إن هذا الدور للنقابات ولمجمع النقابات، نوقش بوضوح وبلغة مباشرة بين الأحزاب “السرية” والسياسيين “السريين” من جهة، وبين أجهزة الدولة من جهة أخرى في مطلع السبعينيات، وقبلها نوقش مؤقتا بعد هزيمة حزيران، وحصلت وقتها مساومة مكشوفة، فالدولة/ الحكومة، تعرف أنه لا بد من سد الفراغ ما دامت لا تسمح بالعمل السياسي الحزبي العلني، ومن جهتهم، قَبِلَ السياسيون والأحزاب تلك الصيغة التي عرفت حينها بـ”نصف العلنية”، وهي التي وصفها ضافي الجمعاني، أطال الله عمره، متهكماً بقوله: “أحزاب سرية على الشعب ومكشوفة على الأجهزة الأمنية!”.
قام مجمع النقابات بأدوار سياسية مهمة، ابتداء من الستينيات، وشكلت فيه هيئات عدة بأسماء مختلفة مثل “التجمع الشعبي” ثم “التجمع الوطني” و”المهني” وعقدت فيه مؤتمرات وهيئات شعبية، منذ أن كان المبنى مجرد طابق واحد وتسوية، ولم يكن يشترط على رواده أن يكونوا أعضاء نقابات، ولعل آخر الهيئات الكبرى كانت في نهاية الثمانينيات تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
لقد شكّل مجمع النقابات الحيز الأبرز الذي يمارس فيه الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة. ولكن النقابيين المنتمين إلى أحزاب كانوا يمارسون علاقة “محترفة” انسيابية بين أحزابهم ونقاباتهم، أو بين رفاقهم في الحزب وزملائهم في النقابة.
مع عودة الحياة السياسية وتشكيل الأحزاب منذ عقدين، كان يفترض لهذه الأدوار أن تتبدل أو تعتدل، لكن الجدال بين الحكومة والأحزاب أخذ يدور حول مفهومي “التسييس والمهننة”، وقد تمترس كل فريق حول واحد من المفهومين اللذين ظهرا كنقيضين في حين أن التناقض بينهما مزيف و”انتهازي” عند الفريقين.
فالحكومة تريد من خلال “المهننة” أن تعفي نفسها من مسؤوليتها عن مصالح الأعضاء وحقوقهم، ولا تريد أن تُسأل عن سياساتها وبرامجها التي تمسهم، وتعد النقابة أشبه بهيئة خيرية للأعضاء وليس هيئة لتمثيل المصالح، بينما نظرت الأحزاب إلى “التسييس” بصفته أداة تمكنها من وضع النقابة في خدمة أهداف الحزب السياسية التنظيمية الخاصة. وبدل أن تسعى الأحزاب إلى الصراع السياسي مع الحكومة حول السلطة، جعلت من النقابات سلطتها الخاصة التي تتجبر بها على الجميع، لا سيما مع توفر الأموال الكثيرة في صناديق بعض النقابات، وقد برز الإسلاميون كمحترفين في هذا المجال.
ما جرى في انتخابات المهندسين هو تجربة في عودة العلاقة الطبيعية بين السياسي والنقابي، صيغة تسمح للحزبي النقابي أن ينتقل بين مهمتيه أو دوريه، من دون انتهازية أو بالقليل منها، فمن حقه أن يعلي من شأن حزبه لكنه يحقق ذلك كنقابي مخلص لنقابته وليس لأنه حزبي تمكن من التسلل إلى النقابة والسيطرة عليها وعلى صندوقها.
لعب الإسلاميون دورا كبيرا في تشويه العلاقة في العقود الأخيرة، ونظروا إلى استثمار النقابة لأجل التنظيم الحزبي على أنه فعل مقبول ومطلوب، بل وينتظرون منه الثواب في الآخرة بعد أن ألبسوه الثوب الديني.
انتخابات المهندسين تجربة في عودة الممارسة النقابية والسياسية في النقابات إلى حالتها الطبيعية، وهي عودة فرضها جمهور الناخبين قبل أن تكون خياراً عند المرشحين الفائزين، ولكن فضلهم الأساسي أنهم احترموها واستجابوا لها، وهم اليوم أمام اختبار مواصلة الإخلاص لها وإنجاحها.
لقد فاز الناخبون ونحن بانتظار أن يفوز المنتَخَبون.

احمد ابو خليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *