كتّاب

للمرة الألف: الأردن ليس فلسطين

يأبى موضوع صفقة القرن أن يختفي، وما يزال الغموض يكتنف ملامح الصفقة ومدى استجابة بعض الدول العربية له بالرغم من كل التسريبات الجادة وغير الجادة حوله. وفي ظل هذا الغموض، تنسج كل يوم تحليلات عديدة حول مستقبل القضية الفلسطينية يتجاهل معظمها بعض الحقائق المفيد التوقف عندها حتى يتم التأسيس لسياسات تواجه المرحلة المقبلة بكفاءة.
الحقيقة الأولى هي أنه بالرغم من أن الإدارة الأميركية لم تطرح بعد صفقة القرن علنا، إلا أن سياساتها كافة تجاه القضية الفلسطينية وانحيازها الأعمى لإسرائيل يجعلان من الواضح أن أي صفقة معلنة لن تكون في الصالح الفلسطيني أو العربي.
الحقيقة الثانية أن إسرائيل لن تقبل بدولة فلسطينية قابلة للحياة تتضمن القدس الشرقية وحدود 67 وحلا متفقا عليه لقضية اللاجئين. ولن تقبل أيضا بدولة واحدة يعطى فيها الفلسطينيون حقوقا متساوية. كما أنها لن تستطيع الإبقاء على نظام عنصري الى أبد الآبدين. ولذلك من الطبيعي أن تروج لحلول أخرى يتم فيها محاولة حل القضية على حساب الآخرين، بما في ذلك الأردن. الاستنتاج الواضح والأكيد من ذلك أن إسرائيل، في غياب حل الدولتين، لا يمكن أن تضمر الخير للأردن، بل على العكس من ذلك، فإن تقويض المصلحة الأردنية العليا يصبح مصلحة إسرائيلية.
هناك تخوف لدى كثيرين أن يفرض مثل هذا الحل على الأردن عن طريق الترغيب بمساعدات اقتصادية أو الترهيب بعزلة أميركية إن لم يتجاوب مع هذا الحل. يغفل هذا السيناريو حقيقة ثالثة، وهي أن هناك تطابقا كاملا بين الشعب الأردني وقيادته الهاشمية لا يقبل بشكل من الأشكال أن يكون جزءا من مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية، وبالتالي لن ترضخ القيادة الأردنية لأي ضغوط سياسية واقتصادية لحل المشكلة على حساب الأردن.
والحقيقة الرابعة والراسخة أن هناك شعبا فلسطينيا لن يرضى ولا بشكل من الأشكال، وبعد عقود طويلة من مقاومة الاحتلال والصمود على أرضه، بالتخلي عن القدس وعن ترابه الوطني وحقه في تقرير مصيره بنفسه.
هذه الحقائق الأربع تقودنا الى استنتاج واضح، وهو أن إسرائيل ستعمل على محاولة التخلص من أكبر عدد من الفلسطينيين حتى لا يشكلوا أغلبية داخل الأراضي التي تسيطر عليها، وبكل الوسائل المتاحة.
هذا هو ما ينبغي أن نفعل أردنيا وعربيا لمنعه. هذه هي المصلحة الأردنية العليا كما هي المصلحة الفلسطينية. هذا ما دفع الأردن في الماضي للوقوف ضد الحائط العنصري الإسرائيلي لأنه يسهم في هذا التهجير القسري. دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم ماديا ومعنويا إذن ينبغي أن يكون السياستين الأردنية والعربية المعلنة بكل ما يعني ذلك من ترجمة عملية، كما يعني الابتعاد عن أي سياسة تحقق أي نوع من التقارب مع إسرائيل لأنه من الواضح أن المصلحة الإسرائيلية اليوم لا تكن للأردن أي نوع من الخير. لهذه الأسباب الموضوعية، يجب الوقوف ضد اتفاقية الغاز وضد أي تقارب مع إسرائيل.
صمود الفلسطينيين على أرضهم هو اليوم الخيار الواقعي الوحيد في ظل إدارة إسرائيلية متغطرسة وإدارة أميركية متطرفة. من المفهوم إبقاء المحاولة لتحقيق حل الدولتين على المستوى الرسمي، مع اقتناعي الراسخ أن مثل هذا الحل قد مات، ولكن بعد 25 عاما على المعاهدة، حان الوقت لمراجعة السياسة الرسمية تجاه إسرائيل. حان الوقت لأن نسير في سياسة موازية لتحقيق حل الدولتين قوامها دعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم، ولندع إسرائيل تغرق في سياساتها العنصرية وغير المستدامة وتتعامل مع أغلبية فلسطينية في المستقبل غير البعيد.

د. مروان المعشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *