كتّاب

لا تتركوا مقتدى الصدر وحيداً

منذ الاساس، كان لابد عدم ترك العراق، لايران، وقد وصلنا الى مرحلة، تم استبدال مرجعية الشيعة العرب، بحيث باتت قم في ايران هي المرجعية، بدلا عن النجف في العراق.
لم تكن القصة قصة مرجعيات دينية، وحسب، اذ ان العرب الذين تحسسوا من تسلل ايران الى العراق، تركوه للايرانيين، على كل المستويات، حتى ضعف التيار العراقي العربي الشيعي، امام تيارات اخرى عراقية عربية شيعية تدين بالولاء لايران، وهذه كانت احدى الكوارث الكبرى التي تفرجت عليها المنطقة.
اليوم تفوز كتلة مقتدى الصدر، باربعة وخمسين مقعدا في البرلمان، بما يعني ان الرجل سيكون اللاعب الاساس في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وللمفارقة فأن الصدر مكروه من الاميركيين الذين يطالب دوما بخروجهم ومكروه من الايرانيين، باعتباره يمثل حالة مستقلة، اقرب الى كونه رمزا عراقيا شيعيا عربيا، بما يعنيه ذلك من دلالات كثيرة، على مستوى الوضع في العراق.
العرب تنبهوا الى اهمية الصدر وتياره لاحقا، وقد استقبلته عواصم عربية، ولابد اليوم من دعمه، بكل الطرق، من اجل استرداد العراق من معادلته الايرانية، والكل يدرك ان طهران لا تريده في المشهد السياسي، وقد اعلنت سابقا ومرارا انها لن تسمح له بحكم العراق، فهو الرجل الاخطر في هذه الحالة، كونه يمثل المرجعية الشيعية الموروثة، من جهة، ولكونه يمثل تيارا عروبيا في العراق.
اذا كان فوز تياره يأتي على اساس برامج اصلاحية داخلية، وتحت عناوين محاربة الفساد، فلا يمكن ان ننكر ايضا ان العراقيين يعرفون اتجاهه ايضا، وهذا مؤشر على ان العراقيين تعبوا ايضا من النفوذ الايراني في العراق، اذ انهم يبقون عربا نهاية المطاف، ولا يمكن ان يبقى توظيف العراق في خريطة الايرانيين الاقليمية مستمرا حتى النهاية، فهذا توظيف مكلف، ويعاكس طبيعة العراق العربي اساسا.
لكن علينا ان نصبر قليلا، لان هناك عراقيل في وجه تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، فكتلة هادي العامري التي حصلت على سبعة واربعين مقعدا، لن تمنح كتلة الصدر، مساحات آمنة، خصوصا، ان العامري محسوب على ايران، وعلى فصائل الحشد الشعبي، ويقال انه في الاساس، حارب مع الايرانيين في الحرب العراقية الايرانية، ضد الجيش العراقي، هذا فوق ان خارطة الانتخابات العراقية، حافلة بلاعبين آخرين، مثل تيار العبادي، الذي يعد معتدلا ومقبولا بشكل منطقي في العالم العربي، وحصل تياره على اثنين واربعين مقعدا في البرلمان، وتيار المالكي، الذي يعد اقرب الى ايران، ويعتبر خصما واضحا للعالم العربي.
المفارقة هنا، ان الطرفين اللذين سيحاربان كتلة الصدر، داخل البرلمان، وداخل الحكومة، وهما ايران وواشنطن، يعلنان الخصومة والعداوة في مساحات اخرى، والكل يعرف حجم التراشق الاميركي الايراني على خلفيات متعددة، لكنهما يتفقان ضد خصم واحد، هو الصدر، كونه اطلق انتفاضتين ضد القوات الاميركية في العراق، وهو ايضا، ضد النفوذ الايراني المتزايد في العراق.
ما سوف نشهده اليوم في العراق، تحالف سياسي جديد، وعلى الاغلب سوف يأتلف تيار الصدر، وتيار العبادي، وتيارات اخرى، لكن العراق اليوم امام عقدة ليست سهلة، لان ايران لديها نفوذها داخل البرلمان العراقي، وبين الاتجاهات السياسية، مثلما ان لواشنطن نفوذها ايضا، وسوف يسعى الطرفان، الى افشال الصدر بكل الطرق، وفي الحد الادنى السيطرة عليه، واعادة انتاجه ضمن مواصفات جديدة، تضمن مصالح ايران والولايات المتحدة في العراق، وهذا يقول ان مهلة التسعين يوما، لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، قد لا تكون كافية، وقد تكون حافلة بالمصاعب، والمواجهات، والضغوطات.
في كل الاحوال، العرب مطالبون، بدعم العراق في هذه المرحلة، بكل السبل، وعدم تركه لقوى اقليمية اخرى، وهذا يفرض دعما يفوق الدعم السياسي، نحو الانفتاح الكامل على العراقيين، وتقوية هذا التيار، بما في ذلك التأثير على الاميركان، لرفع خطوطهم الحمراء، عن عنق الصدر، لاعتبارات كثيرة.

ماهر ابو طير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *