كتّاب

كيف تستعيد الحكومة الولاية والهيبة؟

الحكومات الضعيفة والعاجزة عن التواصل الميداني مع المواطنين، شكلت عبئا سياسيا وأمنيا على مؤسسات الدولة. فعندما كانت هذه الحكومات برموزها الوزارية والقيادية تنقطع عن المواطنين، ولا تعبأ بمطالبهم ولا تراقب كوادرها العاملة في الميدان، تضطر المؤسسة الأمنية للتدخل لاحتواء التداعيات، وفي أحيان كثيرة كان المسؤولون في الديوان الملكي يجدون أنفسهم مضطرين للقيام بدور السلطة التنفيذية، والتدخل لفض اشتباك اجتماعي وتهدئة الخواطر.
وفي عديد المناسبات، كانت الحكومات تلجأ بنفسها لطلب المساعدة من الأجهزة الأمنية، لتعويض تقصيرها عن مباشرة مهماتها، واختباء فريقها الوزاري في عمان. وأجزم من تجربتي الصحفية أنه ما من أحد في أجهزة الدولة يرغب بالتعدي على دور الحكومة، إلا إذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن ممارسة مسؤولياتها.
هذه المعادلة في إدارة مصالح الدولة والمجتمع ينبغي أن تتغير، وتظهر الحكومة الحالية رغبة في تغييرها.
ممارسة الولاية العامة ليست مجرد صلاحيات مكتبية يمارسها الرئيس والوزراء، وقرارات يوقعونها على الورق، إنها فعل ملموس وممارسة تتحقق في العلاقة المباشرة بين المسؤول والمواطن، وفي تحمل الحكومة لمسؤولياتها والنهوض بواجباتها وليس الاختباء خلف الديوان الملكي أو الأجهزة الأمنية.
قبل أن تحضر قوات الدرك لموقع ما، يجب أن يكون الوزير المعني بالمشكلة حاضرا. الوجه السياسي للسلطة التنفيذية لا يجوز أن يغيب أو يتوارى خلف المؤسسة الأمنية، إنما يقودها ويقرر الوقت المناسب لتدخلها إذا ما خرجت الأمور على نطاق السيطرة. وفي كل مشكلاتنا، يمكن التوصل لتسويات وحلول مرضية لكل الأطراف وتلبية مصالح المواطنين بالتواصل المباشر مع المسؤولين ومن دون الحاجة للحلول الأمنية.
أول من أمس، زار وزير المياه الجديد المهندس منير عويس مدينة جرش، وعقب الزيارة التي لمس فيها تقصيرا شديدا في توفير المياه للمواطنين اعتذر على الفور من سكان جرش، واتخذ سلسلة من القرارات الميدانية لتأمين المواطنين بحقهم من المياه، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير.
في حالات مشابهة سابقا، كان المواطنون لا يجدون من يسمعهم، فينزلون للشارع احتجاجا على انقطاع المياه، وكثيرا ما حدثت مواجهات واحتكاكات بين قوات الدرك والمواطنين بسبب هذا النوع من المشاكل الخدمية.
ما علاقة الدرك بمشكلة انقطاع المياه؟ ولماذا يتقاعس المسؤول عن القيام بواجبه في خدمة الناس ويرمي عجزه على جهاز أمني محترف ليس من بين مهامه توفير المياه والكهرباء والخدمات الصحية للمواطنين؟!
لقد فقدت السلطة التنفيذية هيبتها وتراجعت مكانة الوزراء في عيون المواطنين وحتى الموظفين في وزاراتهم لأنهم يتصرفون كموظفين صغار جبناء لا حول لهم ولا قوة، ويترددون في القيام بواجباتهم، والتصدي للتحديات والمشكلات بكل شجاعة في الميدان، ويجاملون على حساب المصلحة العامة، ويختبئون خوفا على كراسيهم.
الوزير يكبر بعيون موظفيه وجمهور المواطنين عندما يحضر وسط الناس ويتابع بنفسه وعبر جهازه الإداري المطالب المشروعة للناس، ويعاين مستوى الخدمات بنفسه، ويملك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء وتصويبها. عندها سيحظى بالمصداقية والتقدير والاحترام، حتى لو لم يتمكن من توفير كل ما يطلبه المواطنون، وعندما يحين وقت ترك موقعه، يغادره وهو مرفوع الرأس.
وصفة النجاح لحكومة الرزاز، هي عندما يشعر الناس بوجودها إلى جانبهم ومعهم؛ ليس أكثر من ذلك. تلك هي أسهل الطرق لاستعادة الولاية العامة والهيبة المفقودة للحكومات.

فهد الخيطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *